محمد متولي الشعراوي

1550

تفسير الشعراوى

مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( من آية 76 سورة آل عمران ) ما العهد هنا ؟ وأي عهد ؟ إنه العهد الإيمانى الذي ارتضيناه لأنفسنا بأننا آمنا باللّه وساعة تؤمن بالإله فمعنى إيمانك به هو حيثية قبولك لكل حكم يصدر منه سبحانه ، وأن تلتزم بما يطلبه منك . وإن لم تلتزم بما يطلبه منك كان إيمانك بلا قيمة ؛ لأن فائدة الإيمان هو الالتزام . ولذلك قلنا : إن الحق سبحانه وتعالى حينما يريد تشريع حكم لمن آمن به ينادى أولا يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم كذا ، إن الحق سبحانه لا ينادى في التكليف كل الناس ، إنما ينادى من آمن وكأنه سبحانه يقول : « يا من آمن بي إلها ، اسمع منى الحكم الذي أريده منك ، أنا لا أطلب ممن لم يؤمن بي حكما ، إنما أطلب ممن آمن » . وهنا يقول الحق : « مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » وقد يفهم البعض هذا القول بأن من أوفى بعهده الإيمانى واتقى اللّه في أن يجعل كل حركاته مطابقة ل « افعل ولا تفعل » فإن اللّه يحبه . هذا هو المعنى الذي قد يفهم للوهلة الأولى ، لكن اللّه لم يقل ذلك ، إن « الحب » لا يرجع إلى الذات بل يرجع إلى العمل ، لقد قال الحق : « فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » . إن الإنسان قد يخطئ ويقول : « لقد أحبني اللّه ، وسأفعل من بعد ذلك ما يحلو لي » ونحن نذكر صاحب هذا القول بأن اللّه يحب العمل الصالح الذي يؤديه العبد بنية خالصة للّه وليس للذات أي قيمة ، لذلك قال : « مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » . إن الذي أوفى بعهده واتقى سيحب اللّه فيه التقوى ، وإياك أن تفهم أن الحب من اللّه للعبد سيصبح حبا ذاتيا ، لكنه حب لوجود الوصف فيه ، فاحرص على أن يكون الوصف لك دائما ، لتظل في محبوبية اللّه . ولذلك نقول : إن الحق سبحانه وتعالى أوضح لنا أن الذات تتناسل من ذات ، والذوات عند اللّه متناسلة من أصل واحد . فالجنس ليس له قيمة ، إنما القيمة للعمل الصالح .